محمد بن جرير الطبري
41
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الأول تصبح وجوهكم مصفرة ، واليوم الثاني محمرة ، واليوم الثالث مسودة فلما أصبحوا فإذا وجوههم كأنها طلبت بالخلوق ، صغيرهم وكبيرهم ، ذكرهم وأنثاهم . فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم : ألا قد مضى يوم من الأجل وحضركم العذاب فلما أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوههم محمرة كأنها خضبت بالدماء ، فصاحوا وضجوا وبكوا وعرفوا آية العذاب . فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم : ألا قد مضى يومان من الأجل وحضركم العذاب فلما أصبحوا اليوم الثالث فإذا وجوههم مسودة كأنها طليت بالقار ، فصاحوا جميعا : ألا قد حضركم العذاب فتكفنوا وتحنطوا ، وكان حنوطهم الصبر والمقر ، وكانت أكفانهم الأنطاع . ثم ألقوا أنفسهم بالأرض ، فجعلوا يقلبون أبصارهم ، فينظرون إلى السماء مرة وإلى الأرض مرة ، فلا يدرون من حيث يأتيهم العذاب من فوقهم من السماء أو من تحت أرجلهم من الأرض خسفا وغرقا . فلما أصبحوا اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة ، وصوت كل شيء له صوت في الأرض ، فتقطعت قلوبهم في صدورهم ، فأصبحوا في دارهم جاثمين " حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : حدثت أنه لما أخذتهم الصيحة أهلك الله من بين المشارق والمغارب منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله ، منعه حرم الله من عذاب الله . قيل : ومن هو يا رسول الله ، قال : " أبو رغال " . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتى على قرية ثمود لأصحابه : " لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائهم " وأراهم مرتقى الفصيل حين ارتقى في القارة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج عن ابن جريج قال ابن جريج ، وأخبرني موسى بن عقبة ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر : أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أتى على قرية ثمود قال : " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين ، فإن لم تكولوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم ما أصابهم " حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج عن ابن جريج قال ابن جريج : قال جابر بن عبد الله إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى على الحجر ، حمد الله وأثنى عليه ثم قال : " أما بعد ، فلا تسألوا رسولكم الآيات ، هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية ، فبعث الله لهم الناقة ، فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج ، فتشرب ماءهم يوم ورودها " حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لما مر بوادي ثمود ، وهو عامد إلى تبوك قال : فأمر أصحابه أن يسرعوا السير ، وأن لا ينزلوا به ، ولا يشربوا من مائه ، وأخبرهم أنه واد ملعون . قال : وذكر لنا أن الرجل الموسر من قوم صالح كان يعطي المعسر منهم ما يتكفنون به ، وكان الرجل منهم يلحد لنفسه ولأهل بيته ، لميعاد نبي الله صالح الذي وعدهم وحدث من رآهم بالطرق والأفنية والبيوت ، فيهم شبان وشيوخ أبقاهم الله عبرة وآية حدثنا إسماعيل بن المتوكل الأشجعي من أهل حمص ، قال : ثنا محمد بن كثير ، قال : ثنا عبد الله بن واقد ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، قال : ثنا أبو الطفيل ، قال : لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك ، نزل الحجر فقال : " يا أيها الناس لا تسألوا نبيكم الآيات هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث لهم آية ، فبعث الله لهم الناقة آية ، فكانت تلج عليهم يوم ورودهم الذي كانوا يتروون منه ، ثم يحلبونها مثل ما كانوا يتروون من مائهم قبل ذلك لبنا ، ثم تخرج من ذلك الفج ، فعتوا عن أمر ربهم وعقروها ، فوعدهم الله العذاب بعد ثلاثة أيام ، وكان وعدا من الله غير مكذوب ، فأهلك الله من كان منهم في مشارق الأرض ومغاربها إلا رجلا واحدا كان في حرم الله ، فمنعه حرم الله من عذاب الله " قالوا : ومن ذلك الرجل يا رسول الله ؟ قال : " أبو رغال " القول في تأويل قوله تعالى : وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ كَأَنْ . . . بُعْداً لِثَمُودَ يقول تعالى ذكره : وأصاب الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله من عقر ناقة الله وكفرهم به الصيحة ، فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ قد جثمتهم المنايا ، وتركتهم خمودا بأفنيتهم . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ،